ست العجم بنت النفيس البغدادية
384
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية
وقوله : ( ومن آخرين حجبوا بأثاثها ومتاعها ) ، يريد به المؤمنين المنذرين في خلق الإنسان ، وهم الذين يفضلون السفليات على العلويات ، ومنهم القائل : إن الأفلاك تدور بأنفاس بني آدم وهو الإمام العالم أبو طالب المكي رحمه اللّه ، وينسحب هذا الحكم على الأولياء الكاملين ، فإننا نجزم بأنه لم يخلق اللّه تعالى خلقا أفضل من الإنسان ، ويؤيد ذلك قوله تعالى : وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ [ الإسراء : 70 ] ، وقوله : « إن اللّه خلق آدم على صورته » ، ولم يؤيد شيء من الموجودات بهذا التأييد ، وعلى الإطلاق أثاث القبة هو الإنسان إذ هو قيوم الموجودات ، ولهذا كان محله قلب الوجود ، والقلب يحتوي على المعلومات الممتازة بالجلالة والحقارة ، فالإنسان معلوم بفرد الجلالة وما دونه بالنسبة إليه من الموجودات يشتمل عليه اسم الحقارة ، فلهذا الإنسان علماء منه قائمون بهذا العلم متفكرون في هذا الخلق معظمون لهذه الهيئة الإنسانية دأبهم قوله تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [ التين : 4 ] . ( ص ) [ قوله : ( والكل ما رأوا عمد القبة حتى دخلت ، فقالوا : قبة من غير عمد محال ، فبحثوا حتى وجدوا العمد ، فانظروا من أين حجبوا هؤلائك عن العمد ، فوجدوا على أعينهم أغطية ) ] . ( ش ) أقول : يشير بهذا التنزل إلى عدم تحقيق الطوائف السابقة للوجود ، فإنهم ممنون عن التحقيق بالانتماء إلى جهة دون جهة ، ومن هؤلاء من استقل بعلم العلويات فقط ومنهم من استمسك بالأوتاد ، ومنهم من حجب عن هذا التحقيق بالأسباب ، ومنهم المدبّر في خلق الإنسان كما قلناه ، وهذه كلها جهات متباينة متعددة والحقيقة تأبى هذا التباين والتعداد وهؤلاء ليسوا مرادين للتحقيق ، لأنهم مهيأون للاستقلال بحمل الجهات المتفرقة ليثبت عالم الفرق فالكل لا يطلّعون على الفردانية التي يتصف بها الوجود آن دخول العارف بالمعرفة فيه ، فإنه إذا اتصف العارف بالكمال يكون قد اتصف مجموع الوجود بالأحدية اتصاف حدوث ، لكن لا يظهر هذه الأحدية إلا لهذا الكامل المسمى ، فإذا اطّلعت حقيقة هذا الكامل على الفردانية ، يكون هذا الاطلاع قد حصل لمجموع الوجود من حيث هو موجود لا من حيث آحاده المقيدة ، وهذه الآحاد تعود للكامل بمنزلة الأوصاف ، والأوصاف تشهد موصوفها ، فعند وجود هذا العارف بالمعرفة يتيقن الوجود باتصاف هذا العارف يقينا على سبيل العلم ، وأيضا فإنه لم يكن الوجود قبل الكامل متصفا بالفردانية ، فإذا وجد الكامل اتصف اضطرارا فكأنه قال : والكل لم يتصفوا